الأربعاء، 23 مايو 2012

سمفونية الـ ميكروباص




.. "ارتحتُ لجلستي و غفوتُ قليلاً كما أفعل دوماً "أيام التسليمات
كعادتِها كانت (كنبةُ الميكروباص) لا تكفي باي حالٍ من الاحوالِ لجلوسِ اربعةِ أشخاص كما يصرُ السائقون على اقناعنا كلّ مرة
.. جلسةٌ غير مريحه
.. ألمٌ مزعج المّ بظهري
.. و حقيبتي تُثقِل ارجلي و تحمّلُها ما لا تطيق
 .. و رغم كل هذا

!غَفوت

نبّهتي جملةُ (دعايه انتخابيه جوه اللجنه!! ) ... كانت مناقشة لا اهمية لها حول 
.. مدى مشروعية توزيع دعاية انتخابية داخل اللجان من عدمه
.. دارت بين سائقالميركوباص و ذاك الشاب "العصبي" الجالس بجوارِه 

لم استفق بعدُ من اثرِ هذا النقاش الغير مُهم حتى انطلق هاتفُ احدى الراكبات 
!معلناً بنغمةٍ رتيبةٍ عن رغبةِ احدهم في مُحادثتها .. و ليتَها ما حادَثَته

استنتجتُ أن من تُحادث هو زوجها .. و أن شِجار مُعقد التفاصيل كان آخرُ ما حدث بينهما
انزعجت لاضطرارِها لمناقشةِ موضوعٍ حساس كهذا على مَسمعٍ من 9 أشخاصٍ لا يمُتون باي صلةٍ لدائرةِ معارفها 

..حاولتُ الا انصت لتفاصيلِ الحوار .. حاولتُ ان أبالغَ في التركيزِ في اي صوتٍ آخر

! مِذياع الميكروباص كان الحل

!! حِينها قرر السائقُ اغلاقه



توقعتُ ان تنهي تلك السيدةُ حوارَها
.. لكنها لم تفعل
 بل على العكس
استمرت كما كانت 

و انزعجتٌ أنا مرة اخرى


حتى قرر السائق ارضائي, بتشغيلِ المذياع مرةً اخرى 


كان لهذه الموسيقى الناعمة أثرٌ طيب في نفسي .. أعادت لقلبي ذكرياتُ 4 اعوامٍ مضت


سرعان ما اعادتني جٌملتها من احلامِ يقظتي 
"بيتي مش هايتهد .. أنا اعرف أمشي بيتي كويس أوي"

باصرارٍ غير مبرر افتُتحت  الاغنية
مـــاتت بمحـــراب عينيك ابـــتـــهـالاتي 


شعرتُ بالغثيان ! تناقضٌ يثيرُ الاشمئزاز 


!اكمَلت جُملتها و كأنها تتحدى لـ ليلى 
" أنا مش هايجرالي حاجه! .. عندي شغلي و عندي حياتي و هاقدر امشي حياتي و بيتي كويس اوي
..
" انت اللي بدأت"
..
".. لا لا لا  .. ماتحاولش,مش انت اللي"
..

لا أريد الانصات لهذا الحوار اكثر من هذا .. ممدت عُنقي خارج النافذةِ باكبر 
 قدرٍ غير مثيرٍ للريبه .. عَلّني انشغلُ باصواتِ ابواق السيارات التي طالما كرِهتُها 


أمشــــــي وأضـــحـــك يـــا ليلى مـــكابـرةً
عـلـّي أخـبـي عـــن الـــنـاس احـتـضاراتي
لا النـــاس تعـــرف مــا خطبــي فتعــذرني
ولا سبــــيل لــــديـــــهم فــــي مــواســـاتي

!لا فائده


وصلَت قدماي حينها لذروةِ الضيق بهذه الحقيبة


ظهري لم اعد اشعر به 

.. وجهي تلفحهُ دفقات هواءٍ كلما تحركت السيارةُ أسرع

"أنا استحملت كتيـــر .. أسال اي حد من اصحابك المتجوزين!! أسالهم كده 
اللي انا عملته ده طبيعي لا لأ ! .. مفيش حد في الدنيا يقدر يستحمل ده كله .. "

" لا لا .. أنا حاولت مره و اتنين .. مفيش فايده"

" مفييييييييييش! هو في حاجه حلوه عشان افتكرها اصلا! .. كله وحش"


قررت حينها التركيز مع ركابِ هذا الميكروباص القادم نحونا 

فــراشــة جـئت ألــقــي كــحــل أجنحتــــي
لديـك فـاحـتـرقــت ظــلــمــاً جــنــاحــاتــي

هالتني محاولاتُ تلك الأم لمداعبةِ صغيرها بكل الطرقِ الممكنةِ حتى تُسكِت صراخه 
المتواصل
! لكن دون جدوى
حاوَلتِ البحثَ عن شئٍ ما -لم تستطع العثور عليه- في كل الحقائبِ التي كانت تحملها 

أعينُ الركابِ حوالها تَحملُ مزيجاً فريداً من الانزعاجِ و الشفقه 
لم اصدّق ان سمفونيتي المتضاربه المزعجة قد اضيف اليها صراخُ هذا الطفل 
!!المسكين ايضا

ادركتُ حينها أن صاحبة المكالمة قد أنهت مُكالمتها و أنا منهكةٌ بمتابعة ذاك 
الصغير 

 لكن اصرارها على عدمِ الرد فيم بعد على ذات النغمة الرتيبة اثار شكوكي حول ان كانت المُكالمة قد انتهت بالفعل أم تم انهاؤها عُنوة بواسطةِ أحد الطرفين 


ِتفكرتُ في حالِ من كان يٌحادثها .. كيف يتحولُ خطابه من الاستجداءِ الى التهديد
!بين دقيقةٍ و اخرى!
 كم هو مُضطرب!.. يائس

و اشفقتُ على حالِها .. كيف ارتضت لنفسها هذه الحال ؟
كيفاستطاعت قَهرَ قوانين النساءِ الخالده!؟ 
!كيف تحمّلت هذا النِقاش على مسمعٍ و مرئى منا
..لابد أن عُمق جرحها ألهاها حتى عن التفكير 


نُفيــت واستــوطــن الأغــراب فـي بلــــدي
ومــزقــوا كـــل أشــيــائــي الــحــبــيــبـات


لمحتُ هنا لافتة متجرِ الملابس ذاك تغدوا مسرعةً خلفَ نافذتي, مُعلنةً عن سهوي 
عن مكانِ نُزولي من هذه المواصلة الكئيبه

قررتُ حينها ان من واجبي انهاء ما يحدث .. و وضع جملة النهاية لهذا 
 العرضِ التراجيدي مُركب التفاصيل


 اخترتُ تلك المقولة التي طالما استُخدِمت في هكذا مواقف من  قبل



و بثقةٍ .. خاطبتُ السائقَ قائلة 



ايوه ايوه .. على جنب لو سمحت

هناك تعليقان (2):

  1. جمييييييييلة :)
    جمالها فى تناقضاتها ..كل الناس فى ميكروباص مشاكلنا مختلفة وطرق تعبيرنا برده عنها مختلفة
    بس حسيت فيها بالزحمة والوحدة واحاسيس مختلفة مع بعضها
    رائعة استمرى :)

    ردحذف